العيني

151

عمدة القاري

فإن في الآيتين المذكورتين تدافعاً لأن في إحداهما خلق السماء قبل الأرض ، وفي الأخرى بالعكس ، ووقع في رواية أبي ذر : * ( والسماء وما بناها ) * ( الشمس : 5 ) وهو في سورة الشمس ، وقوله : * ( والأرض بعد ذلك دحاها ) * ( النازعات : 03 ) يدل على أن المراد * ( أم السماء بناها ) * ( النازعات : 72 ) الذي في سورة والنازعات ، الرابع : ( وكان الله غفوراً رحيماً ) إلى قوله : ثم مضى ، فإن قوله : ( وكان الله غفوراً رحيماً وسميعاً بصيراً ) يدل على أنه كان موصوفاً بهذه الصفات في الزمان الماضي ثم تغير عن ذلك ، وهو معنى قوله : فكأنه كان ثم مضى . قوله : ( فقال : فلا أنساب إلى قوله ولا يتساءلون ) جواب عن سؤال الأول ، أي قال : فقال ابن عباس رضي الله عنهما في الجواب ما ملخصه : أن التساؤل بعد النفخة الثانية وعدم التساؤل قبلها ، وعن السدي : أن نفي المساءلة عند تشاغلهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط وإثباتها فيما عدا ذلك . قوله : وأما قوله : * ( ما كنا مشركين ) * إلى قوله : * ( يود الذين كفروا ) * فهو جواب عن السؤال الثاني وملخصه : أن الكتمان قبل إنطاق الجوارح وعدمه بعده . قوله : ( فعند ذلك ) أي : عند نطق أيديهم . قوله : ( وعنده يود الذين كفروا ) أي : وعند علمهم أن الله لا يكتم حديثاً يود الذين كفروا هذا في سورة النساء . وهو قوله : * ( يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً ) * ( النساء : 24 ) ، أي : يوم القيامة يود الذين كفروا بالله وعصوا رسوله لو تسوى بهم الأرض أي لو تسوت بهم الأرض وصاروا هم والأرض شيئاً واحداً ، أو أنهم لم يكتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا نعته ، لأن ما عملوه لا يخفى على الله تعالى فلا يقدرون كتمانه ، لأن جوارحهم تشهد عليهم . قوله : * ( وخلق الأرض في يومين ) * ( فصلت : 9 ) إلى قوله وخلق السماوات في يومين جواب عن السؤال الثالث ملخصه : أن خلق نفس الأرض قبل السماء ودحوها بعده ، يقال : دحوت الشيء دحوا بسطته بسطاً ، وقيل في جوابه : إن خلق بمعنى قدر . قوله : ( ان أخرج ) بأن أخرج فإن مصدرية . قوله : ( والآكام ) ، جمع أكمة بفتحتين وهو الموضع المرتفع من الأرض كالتل والرابية ، ويروى : والأكوام . جمع كوم قوله : * ( وكان الله غفوراً رحيماً ) * ( النساء : 69 و 001 و 251 والفرقان : 072 والأحزاب : 5 و 05 و 95 و 37 والفتح : 41 ) . الخ جواب عن السؤال الرابع ، وملخصه : أنه سمى نفسه بكونه غفوراً رحيماً ، وهذه التسمية مضت لأن التعلق انقطع ، وأما معنى الغفورية والرحيمية فلا يزال كذلك لا ينقطع ، وأن الله إذا أراد المغفرة أو الرحمة أو غيرهما من الأشياء في الحال أو الاستقبال فلا بد من وقوع مراده قطعاً . قوله : ( سمى نفسه ذلك ) ، أي : سمى الله تعالى ذاته بالغفور والرحيم ونحوهما ، وذلك قوله : ( وإنه لا يزال كذلك لا ينقطع وأن ما شاء كان ) ، وقالت النحاة : كان لثبوت خبرها ماضياً دائماً ، ولهذا لا يقال : صار موضع : كان ، لأن معناه التجدد والحدوث ، فلا يقال في حق الله ذلك . قوله : ( فلا يختلف ) بالجزم ، أي : قال ابن عباس للسائل المذكور : لا يختلف عليك القرآن فإنه من عند الله * ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) * ( النساء : 28 ) . حَدَّثَنِيهِ يُوسُفُ بنُ عَدِيّ حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عَمْرٍ وَعَنْ زَيْدِ بنِ أنَيْسَةَ عَنِ المِنْهالِ بِهاذَا أسند الحديث المذكور بعد أن علقه كما ذكرناه ، قال الكرماني : لعله سمع أولاً مرسلاً وآخراً مسنداً فنقله كما سمعه ، وفيه إشارة إلى أن الإسناد ليس بشرطه ، واستبعد بعضهم كلام الكرماني هذا ، وليت شعري ما وجه بعده وما برهانه على ذلك ؟ بل الظاهر هو الذي ذكره ، وقول الكرماني : وفيه إشارة . . . إلى آخره يؤيده كلام البرقاني حيث قال : ولم يخرج البخاري ليوسف ولا لعبيد الله بن عمرو ولا لزيد بن أبي أنيسة مسنداً ، سواه وفي مغايرته سياق الإسناد عن ترتيبه المعهود إشارة إلى أنه ليس على شرطه ، وإن صارت صورته صورة الموصول . قوله : ( حدثنيه يوسف بن عدي ) ، وقع في رواية القابسي : حدثنيه عن يوسف ، بزيادة : عن ، وهو غلط وليس في رواية النسفي : حدثنيه . . . إلى آخره ، وكذا سقط من رواية أبي نعيم عن الجرجاني عن الفريري ، ولكن ذكر البرقاني فقال : قال لي محمد بن إبراهيم الأزدستاني : شوهدت نسخة بكتاب : ( الجامع ) للبخاري فيها على الحاشية : حدثنا محمد بن إبراهيم أخبرنا يوسف بن عدي ، فذكره ورواه الإسماعيلي عن أحمد بن زنجويه : أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد الرقي : حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد عن المنهال . قلت : يوسف بن عدي بن زريق التيمي الكوفي نزيل مصر ، وهو أخو زكرياء بن عدي ، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ، وليس له في البخاري إلاَّ هذا الحديث ، وعبيد الله بن عمرو بالفتح الرقي بالراء والقاف ، مات سنة ثمانين ومائة ، وزيد بن أبي أنيسة مصغر الأنسة بالنون والسين المهملة الجزيري ، سكن الرها ، قيل : اسم أبي أنيسة زيد ، ومات زيد الراوي سنة خمس وعشرين ومائة .